اسماعيل بن محمد القونوي

467

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( على طريقة أبلغ ) من الطريقة الأولى فإن الجملتين الأوليين فعليتين وهذان اللفظان جملتان اسميتان فتفيدان الدوام وثبوت الانتفاء عنه عليه السّلام وعنهم دائما عبد إفادة الانتفاء في المستقبل لكن هذا ينبغي أن يكون بحسب الظاهر وأما بحسب نفس الأمر فالمراد بهما انتفاء العبادة عنه عليه السّلام وعنهم في المستقبل والدوام المستفاد من الجملة الاسمية مصروف إلى المستقبل لا إلى عموم الأوقات وإلا لم يبق فرق بين كونهما تأسيسين وبين كونهما تأكيدين ولما أفادتا الدوام في المستقبل كانتا أبلغ من الأوليين فإنهما لا تفيدان الدوام في المستقبل إلا بالقرينة الخارجة كما فيما نحن فيه ولهذه المغايرة ساغ العطف مع كونه تأكيدا وهكذا الأمر في كل تأكيد عطف على المؤكد كقوله تعالى كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [ النبأ : 4 ، 5 ] ولا فرق بين حرف عطف وعطف فلا يقال إنه مختص بثم على أن عدم عطف المؤكد اصطلاح أرباب المعاني وأما النحاة فقائلون بذلك . قوله : ( وإنما لم يقل عليه السّلام ما عبدت ) في قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 5 ] . قوله : ( ليطابق ما عبدتم لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام وهو لم يكن حينئذ موسوما بعبادة اللّه ) ليطابق الخ قيد للمنفي دون النفي أي لو قال : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 5 ] لكان مطابقا لقوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 4 ] لكنه لم يقل لأنهم كانوا موسومين الخ فالمناسب هنا الماضي وهنا المضارع قوله وهو أي عليه السّلام لم يكن الخ إشارة إلى أنه مشغول بعبادة اللّه تعالى حينئذ لكنه لم يكن معلوما لهم على التفصيل وإن كان معلوما إجمالا حيث تحنث في جبل حراء وهذا معلوم لهم وبهذا بخل أشكال العلماء كما نقله الفاضل السعدي وحاصله المراد العبادات البدنية وهي معلومة لهم إجمالا دون تفصيل وأما التوحيد فأمر قلبي لا يطلع عليه إلا بالأمارات وهي العبادات البدنية وقد عرفت أنها غير معلومة لهم تفصيلا . قوله : وهو لم يكن حينئذ موسوما بعبادة اللّه أقول لا يلزم من عدم كونه موسوما بعبادة اللّه أن لا يكون عابدا له حينئذ إذ يجوز أن يعبد اللّه قبل البعثة ويخبر بأنكم لا تعبدون ما عبدت قال صاحب الكشاف فإن قلت فهلا قيل ما عبدت كما قيل : ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 4 ] قلت لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث وهو لم يكن يعبد اللّه تعالى في ذلك الوقت فإن قلت فلم جاء على ما دون من قلت لأن المراد الصفة كأنه قال : لا أَعْبُدُ [ الكافرون : 2 ] الباطل ولا تعبدون الحق قال صاحب الانتصاف ذلك القول خطأ أصلا وفرعا أما أصله فلأن القدري يعتقد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن قبل المبعث على دين نبي قبله لأن ذلك غيرة في حقه ومنفر عن عبادته ويعتقدون أن الناس متعبدون بمقتضى العقل بوجوب النظر في آيات اللّه تعالى وأدلة توحيده ومعرفته وأن وجوب النظر بالعقل لا بالسمع فتلك عبادة قبل البعث يجب أن لا يظنوا به عليه الصلاة والسّلام الإخلال بها فأصلهم حينئذ يقضتي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان قبل البعث يعبد اللّه عز وجل فحافظ الزمخشري هذا الأصل في عدم اتباعه لنبي سابق فأخذ بالتفريع على أصله الآخر في وجوب العبادة بالحق والحق أنه صلّى اللّه عليه وسلّم